بلعريبي: توزيع بعض سكنات “عدل 3” نهاية السنة
أخبار
2026-05-03

من واشنطن: محمود بلحيمر
في اليوم العالمي لحرية الصحافة نستذكر نحو 260 صحفيا وعاملا في قطاع الإعلام قتلتهم إسرائيل في غزة ولبنان، وكيف مارست وسائل الإعلام الغربية الكبرى التعتيم على حرب الإبادة في غزة. وفي الجزائر، يشدد الخطاب السياسي على ضرورة بناء سردية وطنية قوية تواجه الحملات الإعلامية الخارجية، لكن في نفس الوقت ننقل الاحداث لجمهورنا عبر "فيلتر" شبكات إعلامية لدول أخرى!
من بين الدروس المستخلصة من تغطية الحرب الإسرائيلية على غزة أنها بيّنت أن الدول الغربية بنت منظومة إعلامية قوية ومنسجمة مع منطق الهيمنة، وحتى منطق الافتراس، الذي تتبنّاه هذه الدول، ولذلك فهي تسوّق باستمرار سرديات، مُحاكة بشكل ذكي، لكي تجعل منطق الهيمنة مقبولا لدى الرأي العام الغربي والعالمي. لذلك لا تتحدث وسائل الإعلام الغربية عن 260 صحفيا وعامل إعلام قتلتهم إسرائيل منذ 7 أكتوبر في فلسطين ولبنان، لكنها تتحدث عن صحفي سجن في إيران أو فنزويلا أو حتى في الجزائر.
فلا شك في أن وسائل الإعلام الغربية تتمتع بقدر كبير من الحرية عندما يتعلق الأمر بمناقشة القضايا الداخلية، لكن تغطية الأحداث الدولية وقضايا السياسة الخارجية أمر آخر، فهي سرعان ما تعود إلى منطقها الهيمنياتي وتستخدمُ السرديات التي تنتجها المخابر الأمنية والدوائر الإيديولوجية دون التحقق منها أو حتى طرحها على طاولة النقاش... وتجعل نصب أعينها حماية المصالح الأساسية للقوى الكبرى، ومصالح الشركات التي تلهث وراء الأرباح، وتوجيهات الإيديولوجية المُهينة. والحال هكذا ليس هناك اعتبار لأبسط أخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها، ولا حتى لمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقيم الإنسانية المكرّسة في المواثيق الدولية، التي ساهم العالم بأسره، والغرب أساسا، في وضعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الإعلام الغربي والتعتيم عن الإبادة
سيُسجلُ التاريخ أن الإعلام الغربي قدّم للعالم، ولا يزال إلى الآن، حربَ إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، تجري على المباشر وتراها شعوب العالم على شاشات هواتفها الذكية، على أنها حربٌ بين طرفين متكافئين في القوة العسكرية وأن مقترف تلك الإبادة (إسرائيل) يدافع عن نفسه. نفس الإعلام خلق أخبارا مزيفة (مثل مزاعم قطع رؤوس الأطفال في هجوم 7 أكتوبر) لكي يبرر، على مدار أكثر من عامين، قتل الأطفال والنساء، وحرمان أكثر من مليوني شخص من الطعام والماء والدواء والكهرباء، وتدمير البنية التحتية كالبنايات السكنية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة إلخ.
وهكذا صار الإعلام الغربي طرفا في الإبادة لا باحثا عن الحقيقة. والمفارقة أن هذا الإعلام لم يستح من وضعه البائس هذا، والظاهر أنه لا أمل في "توبته"، ما يفسر هروب الناس إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت توّفر هوامش كبيرة من الحرية لا تسمح بها المؤسسات الإعلامية التقليدية. هذه الأخيرة تبدو منسجمة تماما مع ما تريده "المؤسسة السياسية".
الجزائر، كغيرها من دول العالم الثالث، ينبغي أن تفهم أن العجز في منظومتها الإعلامية يعني ببساطة أنها سلّمت أمرها لغيرها وأقرت بالهزيمة في معركة السرديات. فإذا كنتَ متأخرا عن غيرك في انتاج الأخبار والمضامين الإعلامية والفكرية والفنية وغيرها،، فإنك حتما ستستهلك منتوج الآخرين، وهذا المنتوج مُصاغ بعناية فائقة ومعلّب بشكل جيّد حتى يراعي مصالح وأهداف المنتجين لا المستهلكين، مع تداعيات بالغة الأثر على مجتمعنا على المدى الطويل.
لماذا تتأخر الجزائر عن الاستثمار في الإعلام؟
سنرتكبُ خطأ كبيرا لو بقينا نتحدث عن أنفسنا في غرف صدى مغلقة ولا ننتبه إلى ما يجري في الساحة الإعلامية الدولية. هناك دول كثيرة تستثمر بقوة في بناء منظومات إعلامية قوية للتأثير، ليس فقط داخل حدودها الإقليمية، بل في محيطها الإقليمي المباشر وعلى الساحة الدولية. والأمر لا يتعلق فقط بمضاعفة عدد الجرائد والمواقع والشبكات التلفزيونية، بل يتعلق بضخ ميزانيات ضخمة تستثمر في انتاج محتوى ذا مصداقية وتوظيف مراسلين وخبراء ومحللين ومدربين وتقنيين يُعوّل عليهم في بناء سردية جذابة وقادرة على الإقناع.
وهذا يجّرنا إلى السؤال التالي: لماذا يقرأ الجزائري الأخبار الأميركية والدولية دائما عبر "فيلتر" الشبكات الإعلامية العربية التي تمتلكها دول الخليج على سبيل المثال، أي من خلال ما تنقله شبكات الجزيرة والعربية وسكاي نيوز وغيرها؟ أو حتى قنوات روسيا اليوم وفرنسا 24 أو وسائل الاعلام الفرنسية الأخرى.
لا أعني بهذا أن هذه الشبكات الإعلامية غير محترفة وغير موثوقة، هذا موضوع آخر. لكن عندما قررتْ هذه الدول استثمارات ضخمة في هذه الشبكات فهي تستهدف الحضور القوي في الإعلام الدولي وبناء سرديات قوية خاصة بها تتناسب مع مصالحها وتوجهاتها في الساحة الدولية. ما أقصده هو لماذا نحكم على أنفسنا بالعجز في هذا الميدان في حين أن الجزائر لها من الإمكانيات المادية والبشرية ما يجعلها تكون في قلب الحدث، في واشنطن وباريس ولندن، وتنقل تفاصيل الأحداث للجزائريين ولبقية العالم العربي بعيون جزائرية بعيدا عن "فيلتر" ورقابة الآخرين؟ لماذا لا تمتلك القنوات الجزائرية، سواء التابعة للإعلام العمومي، مثل "الجزائر 24"، أو القنوات الخاصة والمواقع والإذاعات مراسلين في العواصم الغربية الكبرى حيث يُصنع القرار كواشنطن وباريس ولندن وموسكو وبيكين وطوكيو إلخ؟ لا شيء يمنع بلدا مثل الجزائر من أن يكون له موطئ قدم محترم في المشهد الإعلامي الدولي حتى لا نبقى مستهلكين فقط حيث يحشو الآخرون عقول جمهورنا بما يريدون.
لا منظومة إعلامية قوية من دون حرية
نقطة أخرى في غاية الأهمية وتتعلق بهامش الحرية؛ فلا يمكن بناء منظومة إعلامية قوية في غياب حرية التعبير؛ فالحديث عن بناء سردية وطنية مقنعة وقادرة على الصمود محليا ودوليا في ظل الانغلاق وتسييج مجال النقد والتفكير هو مسعى شبيه بمن يُلَمِّع السراب. نفس الكلام يقال عن المنافسة؛ فلا يمكن لمؤسسات إعلامية هشة اقتصاديا وخاوية فكريا وتفتقد للتأطير والإشراف المحترف أن تُقدم منتوجا إعلاميا يمكن أن يصدَّ ما نتعرض له من هجمات من شبكات بأجندات سياسية واضحة مثل "سي نيوز"، التي تسب الجزائر صباحا ومساء وبعد الظهيرة. مع العلم أن هذا أمرا طبيعيا في عالم يتصارع منذ الأزل.
ينبغي التذكير بأن الجزائر عرفت التعددية الإعلامية وحرية النقد والتفكير منذ الحركة الوطنية، مايعني أن هذا التقليد الديمقراطي ليس غريبا عنّأ. وحتى في ظل سلطوية الحزب الواحد، كانت هناك هوامش للنقد والنقاش المختلف رأيناها في كتابات راقية في صحف مثل "الثورة الإفريقية" و "الجزائر الأحداث". بعدها، سمحت إصلاحات رئيس الحكومة السابق، مولود حمروش، ببروز جرائد خاصة احتضنت النقاش الديمقراطي للبلاد. ورغم الأزمة الأمنية والسياسية التي عصفت بالبلاد في التسعينات كانت هناك هوامش كبيرة من حرية التعبير وبرزت أفاق بناء مؤسسات إعلامية تحظى بالمصداقية في الداخل والخارج، ليس فقط من الناحية الاقتصادية ولكن أيضا ببناء تراكم مهني ومعرفي واقتصادي يقوي منظومة الإعلام عموما.
وما يؤسف له حقا أن التفاول الذي رافق هذه التجربة سرعان ما تبخّر. واليوم الجزائر بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الإعلامية إذا كانت ترغب في بناء سردية وطنية قوية وقادرة على صد الحروب الإعلامية التي تبنى في مخابر الخارج.
م. ب
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03