ترمب : الإيرانيون أعطونا اليوم هدية تتعلق بالنفط والغاز ومنها عرفنا أننا نتعامل مع الأشخاص المطلوبين
أخبار
2026-03-24

رأي من الحراك
2026-03-24
من واشنطن: محمود بلحيمر
"نحن أمة محتلة، أعتقد أن حكومة أجنبية احتلت حكومتنا". هذا ما قالته الناشطة الكاثوليكية الأميركية، كاري بولر (Carrie Prejean Boller ) للمذيع التلفزيوني البريطاني الشهير، بيرس مورغن. الحكومة الأجنبية التي تعنيها كاري هي إسرائيل.
وكاري بولر هي ملكة جمال كاليفورنيا لعام 2009، ودخلت المنافسة على لقب ملكة جمال أميركا في نفس العام، وعرفها الجمهور الأميركي من خلال الجدل الذي أثاره موقفها بشأن زواج المثليين حيث أكدت للجنة المسابقة على أن "الزواج يجب أن يكون بين رجل وامرأة"، وخسرت بذلك تاج ملكة جمال أميركا بسبب هذه الإجابة، التي قالت إنها جاءت من وحي عقيدتها الكاثوليكية. وعُرفت بولر بدفاعها عن القيّم الدينية الكاثوليكية، وقد دعاها الرئيس دونالد ترامب، التي قالت إنها تعرفه منذ عقدين من الزمن، للانضمام إلى لجنة الحرية الدينية في البيت الأبيض، المكلفة بتقديم تقرير حول واقع الحرية الدينية في البلاد، لكنها أقيلت من تلك اللجنة مؤخرا بسبب موقفها المنتقد لإسرائيل وللصهيونية والمُدين للإبادة في غزة.
الكاثوليك في مواجهة الصهيونية
وفي جلسة شهيرة للجنة الحرية الدينية اشتبكت بولر مع بعض الأعضاء بسبب سعيهم لفرض السردية الصهيونية على أعمال اللجنة، بحيث رفضت ربط انتقاد إسرائيل ومعارضة الصهيونية بمعاداة السامية، كما رفضت أيضا وسم الاحتجاجات في الجامعات الأميركية ضد حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة بأنها معاداة للسامية، وقالت لعضو في اللجنة: "أنا كاثوليكية والكاثوليك لا يؤيدون الصهيونية.. فهل كل الكاثوليك معادون للسامية". هذا الموقف كلّف بولر الطرد من لجنة الحرية الدينية، التي قالت عنها إنها مزيّفة ولا علاقة لها بالحرية الدينية، "فمن الأفضل أن تكون صهيونيا وتدافع عن أجندتنا وإلا فأنت في الخارج.." كما وصفت بولر ما يُنتظر منها في تلك اللجنة.
كاري بولر، التي ساندت ترامب بقوة في الحملة الانتخابية للرئاسيات الأخيرة، قالت إنها تعتبره صديقا عزيزا لكنها تشعر الآن بخيبة أمل كبيرة، وترى أن رئيس الولايات المتحدة يخضع لتأثير حكومة أجنبية (إسرائيل)، وأن حركة "ماغا" التي دعّمت ترامب في الانتخابات قد ماتت بالفعل.
ماحدث مع بولر يكشف عن اتساع الانقسامات داخل الأوساط الدينية والمحافظة في أميركا بشأن إسرائيل ومسألة تهمة معاداة السامية التي تساق بصورة آلية لكل من يتجرأ على انتقاد سياسات إسرائيل ونفوذ اللوبي المؤيد للإدارة الأميركية. ظهر ذلك خلال فعالية نظمتها في واشنطن نهاية الأسبوع الماضي منظمة "الكاثوليكيين من أجل الكاثوليكيين" (Catholics for Catholics) التي تدافع عن القيم المسيحية الكاثوليكية، هناك مُنحت كاري بوكر "جائزة البطل الكاثوليكي" وذلك "اعترافا بدفاعها الشجاع عن العقيدة (الكاثوليكية)"، وفق ماصرّح به رئيس المنظمة جون ياب، الذي قال في بيان إنه في الوقت الذي تؤمن منظمته "بحق إسرائيل الطبيعي في الوجود فإن الترويج لرواية زائفة مفادها أن هناك تفويضا في الكتاب المقدس يدعم هيمنتها على كامل الأرض المقدسة لا يُعد كاثوليكيا ولا يصب في مصلحة الولايات المتحدة". كما أدان ما أسماه "جرائم مروّعة ضد إخوتنا الفلسطينيين المسيحيين، وقرارات كارثية في السياسة الخارجية اتخذها قادة أميركيون".
مدير مركز مكافحة الإرهاب: إسرائيل دفعتنا لحرب إيران
شخصية بارزة أخرى من تكتل "ماغا" تنشق على ترامب بسبب إسرائيل. الأمر يتعلق بمدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، جو كينت، الذي استقال الأسبوع الماضي من منصبه، مبررا ذلك في منشور على منصة "إكس" بالقول: "لا يمكنني بضمير مرتاح أن أؤيد الحرب الدائرة في إيران، فإيران لا تشكل أيّ تهديد مباشر لبلادنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها".
ويشدد جو كينت على أن مايجري من خداع الأميركيين وإيهامهم بأن إيران تُشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأنه في حال شن هجوم الآن، فسيكون النصر حليفهم، لكنه أضاف: "لقد كانت هذه كذبة، وهي الحيلة نفسها التي استخدمها الإسرائيليون لجرنا إلى حرب العراق الكارثية التي كلفت أمتنا أرواح آلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا تكرار هذا الخطأ".
وجون كينت ضابط في القوات الخاصة الأميركية، خدم في الجيش نحو 20 عاما، وعمل أيضا في "السي إي آي"، وزوجته عسكرية سابقة قُتلت في سوريا. فشل مرتين في انتخابات مجلس النواب الأميركي، وهو يميني من أنصار حركة "ماغا" إحدى القوى الرئيسية التي عبّدت طريق ترامب إلى الولاية الثانية في البيت الأبيض، لكنه أيقن أن ترامب بات خاضعا للقوة النافذة في واشنطن من أنصار "إسرائيل أولا"، قالها صراح خلال استضافته في بودكاست مذيع فوكس نيوز السابق، تاكر كارلسون.
كاري بولر وجون كينت حالتان لغليان ضمن حركة "ماغا" أولا وفي الشارع الأميركي عموما، تكشفان عن شرخ واضح ليس في وسط الحزب الجمهوري فحسب بل في الحزب الديمقراطي أيضا وفي الساحة السياسية الأميركية التي دخلت في ديناميكية نقاش جديدة تستهدف إعادة صياغة العلاقات مع إسرائيل على نحو يختلف مع ما كانت عليه لحد الآن، بمعنى إنهاء الدعم اللامشروط لإسرائيل وتقليص نفوذ اللوبي الصهيوني في الإدارة الأميركية والقطيعة مع سياسة الحروب التي لا تنتهي، والتي وعد بها ترامب ثم أخلف.
الكاتب مايكل وولف (Michael Wolff)، مؤلف كتاب "النار والغضب" عن ترامب، اعتبر أن إدارة ترامب تخوض حربا على جبهتين: إحداهما في إيران، والأخرى في الداخل، وتحديداً بين أولئك الذين كانوا يوما ما أشد مؤيديه إخلاصا، ويعتقد أن الأمر يتعلق بنقطة تحول مفصلية بحيث يشعر البيت الأبيض خلالها بصدقٍ أنه في حالة حرب مع الأصوات المنادية بشعار "ماغا"، ووفق الكاتب فقد يمتد هذا الصراع ليشمل قاعدة الحزب بأسرها، التي دعّمت ترامب على أساس عدم الدخول في الحروب جديدة لكنها صُدمت بحرب فنزويلا وإيران وبنزعة غير مسبوقة للمغامرة بحروب خارجية لم نعهدها في الإدارات السابقة.
إنكشاف السردية الصهيونية
وفي هذا السياق يمكن أن نلاحظ أن النقاش يتمحور حول نقطتين:
الأولى؛ أن قطاعا واسعا من الأميركيين بات يشعر بأن شعار "أميركا أولا"، الذي تبنّاه ترامب في حملته الانتخابية، صار شعارا زائفا وبلا محتوى عملي، وأن أنصار "إسرائيل أولا" خطفوا أميركا وأدخلوها في حروب منذ بداية القرن الحالي ليس لحماية الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية الأميركية بل خدمة لأجندة إسرائيل ضمن استراتيجية ترمي للسيطرة على الشرق الأوسط سعيا لتحقيق الأوهام الإيديولوجية للمتطرفين الصهاينة عن أرض الميعاد.
الثانية؛ أن السردية الصهيونية التي هيمنت طويلا على التيار اليميني المحافظ، لاسيما في صفوف الحزب الجمهوري، وصلت إلى طريق مسدود وباتت محل رفض بل وحتى إدانة. فلقد كان، ولا يزال، قطاع واسع من الناخبين الأميركيين المنضوين ضمن تيار المسيحيين الإنجيليين يدعم الحزب الجمهوري في مختلف المواعيد الانتخابية على أساس أجندة الحزب المبنية على القيم الدينية المسيحية، كمناهضة المثلية الجنسية والإجهاض ورد الاعتبار للقيّم المسيحية،، لكن على رأس هذه القائمة يتربع بندُ "الدعم اللامشروط لإسرائيل" كمبدأ مقدس لا يقبل المناقشة، طالما أنه يستند لتعاليم إنجيلية مقدسة.
ولعقود طويلة روّج زعماء تيار المسيحية الصهيونية والمسيحية الإنجيلية في أميركا لخطاب مفاده أن دعم إسرائيل واجب ديني مقدس مستثنى من النقاش، وقد عبّر عن ذلك عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية تكساس، تيد كروز، في مقابلته الشهيرة مع تاكر كارلسون، حيث قال إنه لُقن في صباه "أن الرب يبارك من يباركون إسرائيل ويلعن من يلعنوها"، لكن كارلسون اعترض على ذلك قائلا إن الأمر لا يتعلق بدولة إسرائيل المعاصرة. (ما ورد في العهد القديم: "وأبارك مباركيك، ولاعِنكَ ألعَنُه" والقصد هنا مباركة من يبارك إبراهيم).
على منصات التواصل الاجتماعي نقاشٌ حاد ودحضٌ لهذه السردية من قبل مشاهير مثل تاكر كارلسون وكانديس أوونز وميغن كيلي وجون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية الشهير بجامعة شيكاغو وغيرهم، والذين يحظون بمتابعة الملايين ويفككون هذا الخطاب السياسي الديني الذي بدأ يفقد تماسكه وهيمنته على عقول الأميركيين. الأصوات الجديدة تقول صراحة إن سردية الصهيونية المسيحية والمسيحيين الإنجيليين استخدمت لتضليل الأميركيين والزج بالولايات المتحدة في حروب طويلة الأمد كلّفتها تريليونات الدولارات (حرب العراق وأفغانستان ثم إيران)، وقد عمل اللوبي الصهيوني من خلال لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "إيباك" على توظيف مساندين أوفياء لهذه السردية في الكونغرس الأميركي، بينما يعاني غالبية الأميركيين من الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان التغطية الصحية الأساسية وعدم القدرة على ارسال إبنائهم إلى الجامعات إلخ.
وتمثل هذه السردية مؤشرَ تغيير واختراقا غير مسبوق للخطاب السياسي الأميركي؛ فلقد تسللت تدريجيا إلى الجمهور الأميركي العريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي صارت ملجأ لاستقاء الأخبار والتعليقات والتحاليل بعيدا عن الرقابة والقوالب الجاهزة والمملة لوسائل الإعلام التقليدية، مثل شبكات "سي أن أن" و "أن بي سي" و "وفوكس نيوز" و"نيويورك تايمز" و "الواشنطن بوسط" و "وول ستريت جورنال" إلخ، فوسائل الإعلام التقليدية لا تجرأ أبدا على تحدي السردية الصهيونية واللوبي المؤيد لإسرائيل، كما تحرص باستمرار على منع الأصوات التي لها رؤية مختلفة عن الملف الإسرائيلي وحرب الإبادة في غزة وحرب إيران.
هذه الشبكات الإعلامية المملوكة للأوليغارشية المالية المتحالفة مع المؤسسة السياسية في واشنطن، وإن اختلفت في موقفها من الحرب لأغراض انتخابية ضمن الصراع التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، إلا أنها تبقى منخرطة في الدعاية للسرديات التي تخدم تلك الحرب بالحديث عن التهديدات الإيرانية وبالتعتيم أو أن تمر مرور الكرام عن مسألة جوهرية تتعلق بالنفوذ الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأميركية وبكون الولايات المتحدة تخوض حربا مكلفة للغاية فقط لأن نتنياهو كان يحلم بذلك منذ أكثر من ثلاثة عقود!
م. ب
أخبار
2026-03-24
أخبار
2026-03-24
أخبار
2026-03-24
أخبار
2026-03-24
أخبار
2026-03-24
أخبار
2026-03-24