anep-logo-new

الاثنين، 30 مارس 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

مع افتقاده لاستراتيجية خروج.. ترامب يغرق في حرب إيران

مع افتقاده لاستراتيجية خروج.. ترامب يغرق في حرب إيران

أخبار

2026-03-30


من واشنطن: محمود بلحيمر


هناك عبارة شهيرة تنسب لبنجامين فرانكلين، واحدٌ من الأباء المؤسسين للولايات المتحدة، عندما سُئل عن شكل النظام السياسي الذي وافق عليه واضعو الدستور الأميركي في سبتمبر من عام 1787، فأجاب بالقول: "جمهورية إذا استطعتم الحفاظ عليها".


"a republic if you can keep it".


هذه العبارة يرددها الكثير من السياسيين الأميركيين اليوم في مواجهة سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تحديدا، الذي ما فتئ يرسل مؤشرات، ويؤكدها بأفعال، عن نزعته للتسلط والاستبداد في ممارسة الحكم بأميركا، ومُضيّه في سياسة خارجية عدوانية حيث تبدو أميركا كمفترس (America as Predator)، مثلما هو عنوان المقال الذي نشره دوغ بانداو(Doug Bandow)، على موقع معهد "كايتو" (CATO). علما أن دوغ بانداو عمل في إدارة الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغن.


ويبدو أن الأميركيين خائفون بالفعل من ضياع الجمهورية في ظل "النزعة الملكية للترامبية". هذا ما أفصحت عنه شوارع العديد من المدن الأميركية نهاية الأسبوع الماضي، حيث خرج نحو 8 ملايين شخص إلى تلك الشوارع ضمن تظاهرات "لا للملوك". هذه التقديرات ليست رسمية بل هي وفق تقييم منظمي التظاهرات التي تشهدها أميركا لثالث مرة منذ انتخاب ترامب، حيث نظمت الأولى في جوان 2025 والثانية في أكتوبر 2025. وواضح من الشعار أن النشطاء والمشاركين في هذه التظاهرات يرون في سياسات ترامب نزعة تحويل أميركا إلى مملكة، إلى حكم رئاسي مطلق يميل إلى الاستبداد منه إلى الديمقراطية التي ألفها الأميركيون، بحيث أن المؤسسات السياسية الأميركية تحافظ على توازن السلطات وتضمن الرقابة على أداء المؤسسات الحكومية.


نزعة ملكية وسلطوية لدى الترامبية

وقبل يومين من تلك التظاهرات، وكمؤشر على "النزعة الملكية للترامبية"، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، أن ترامب سيصبح أول رئيس في المنصب يظهر توقيعه على العملات الورقية النقدية الأميركية، وهذا لأول مرة في التاريخ الأميركي؛ فمنذ عام 1861، كان التقليد أن يظهر توقيع أمين الخزانة على الأوراق النقدية. الوزير، سكوت بيسنت، برّر الإجراء بلغة مدح من قاموس الملكيات القديمة وحتى الديكتاتوريات الحديثة بالقول: "لا توجد طريقة أقوى للاحتفاء بالإنجازات التاريخية لبلدنا العظيم، ورئيسنا ترامب من إصدار أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي تحمل اسمه".


ومن المؤكد أن المتابعين لنشاطات الرئيس ترامب قد لاحظوا أن أعضاء فريقه، ولأنهم لمسوا لديه حبه للغة المديح والمُبالغة في الثناء على "إنجازاته" وعلى "رجاحة رؤيته"، فكانوا يسترسلون في لغة الثناء والولاء التي تنقلها التلفزيونات مباشرة، كالقول إنه الرئيس الأجرأ والأقدر على فعل كذا وكذا،، وكأن أميركا لبست بالفعل عباءة الملكية، وقبلت دخول عالم الزعيم الأبدي!


الرئيس ترامب وقّع أكثر من 200 أمر تنفيذي في عامه الأول، وهو أول رئيس أميركي يصل إلى هذا الرقم منذ مطلع القرن الحالي. ويعكس هذا التوجه الرغبة في ممارسة الحكم وفق أسلوب يعتمد بشكل كبير على إفراط الرئيس في ممارسة السلطة التنفيذية بدل العودة إلى الكونغرس. ولأن الكونغرس بغرفتيه تحت سيطرة الجمهوريين فلم يجرؤ على تقييد حركة ترامب أو حتى مساءلته على بعض القرارات الحساسة للغاية، مثل إعلان الحرب على إيران، وقبل ذلك العملية العسكرية التي أدت إلى اختطاف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، وزوجته مطلع العام الجاري.


ترامب أدخل الولايات المتحدة في حرب على إيران دون الحصول على تفويض من الكونغرس، حيث يؤكد مشرّعون أنه المخوّل لمنح التفويض الرئيس بإعلان الحرب، لكن الزعماء الجمهوريين لم يعترضوا على قرار ترامب، بل ومنحوه التأييد المطلق. في الوقت الذي تتناقض فيه هذه الحرب الجديدة تماما مع وعوده الانتخابية للأميركيين بأنه لن يبدأ حربا جديدة بل هو رئيس سلام، وأكثر من ذلك، لم يعرض ترامب على الأميركيين الأسباب التي دفعته لاتخاذ القرار قبل إلقاء القنابل، بحيث وجدت الإدارة صعوبة كبيرة في تقديم سردية منسجمة عن سبب فتح جبهة حرب خارجية جديدة وعن تداعياتها على حياة الأميركيين.


ما فائدة الديمقراطية والحملة الانتخابية كمكوّن أساسي منها ومن وجود مؤسسات سياسية مثل الكونغرس إذا كان الرئيس يعد بسياسات تُقنع وتنال تفويض الأميركيين ثم يُنفذ الرئيس ذاته سياسات تناقض ما فوّضه الأميركيين عليه، وما وافق عليه الناخب الأميركي لا يحظى بدفاع المشّرعين المُنتخبين!  


ترامب بعيد عن تحقيق أهداف حربه على إيران

الحرب على إيران أعطت زخما إضافيا لتظاهرات "لا للملوك" هذه المرة، بحيث أشارت تقارير صحفية إلى أن الحرب دفعت الكثير من الشباب إلى الخروج إلى الشوارع وعززت جبهة الرفض لسياسات ترامب حتى داخل حركة "ماغا"، القاعدة السياسية الرئيسية لترامب والحزب الجمهوري حاليا، بالإضافة إلى مواضيع أخرى ومنها أساسا الأسلوب العنيف في تنفيذ سياسة توقيف وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، والتشدد في سياسة الهجرة، ثم العجز عن تحسين آداء الاقتصاد إلخ. وهذه أخبار ليست سارة لترامب وفريقه مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس مطلع نوفمبر المقبل.


وفي هذا الشأن تفيد آخر استطلاعات الرأي أن 36% فقط من الأميركيين راضون على آداء الرئيس ترامب، وهي أخفض نسبة يحصل عليها رئيس أميركي. كما تشير استطلاعات الرأي إلى أن 61% من الأميركيين يعارضون الحرب على إيران. ولو قارنّا بالحرب على العراق في مارس 2003 للرئيس جورج ولكر بوش فلوجدنا أن نحو 70% من الأميركيين كان يؤيدون الحرب في بدايتها، وحينذاك، ساهمت هجمات 11 سبتمبر 2001 في دفع الأميركيين للاذعان لنزعة الحروب الخارجية عند المغامرين من المحافظين الجدد، رغم أنه لم يتم إثبات أي علاقة لصدام حسين والعراق بتلك الهجمات ولم يتم العثور على أي أثر لأسلحة الدمار شامل!


من الواضح أن الحرب على إيران ستُغرق شعبية ترامب على نحو لم يشهده رئيس أميركي سابق منذ ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي، ليس فقط بسبب تداعيات الحرب، لاسيما الارتفاع الكبير لأسعار الطاقة، التي تنعكس بشكل مباشر على جيوب الأميركيين، ولكن أيضا لأن ترامب لا يملك لحد الآن استراتيجية الخروج (Exit Strategy)من الحرب التي مضى عليها شهر؛ فالنظام الإيراني لم يتغير بل على العكس يبدو مجتبى خامينئي أكثر تشددا من أبيه، وأن الاغتيالات التي طالت القيادات الإيرانية وضعت في مناصب المسؤولية وجوها أكثر تشددا، ثم إن إيران لا تزال تتحكم في مضيق هرمز ولا تزال قادرة على إطلاق الصورايخ التي تصل إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج.


صحيح أن الآلة العسكرية الأميركية والإسرائيلية، الأكثر تطورا وفتكا، تدمّر بالفعل البنية التحتية العسكرية والمدنية على نحو غير مسبوق، وبخسائر ستُرجع نحو 93 مليون نسمة 80 عاما إلى الوراء،، لكن الخبراء يشيرون إلى أن ترامب بلا رؤية واضحة لكيفية الخروج من الحرب مع مأزق استمرار إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من الطاقة الموجهة للعالم، ما يعني استمرار أسعار الطاقة في الارتفاع لفترة أطول، وبشكل مباشر ارتفاع تكاليف معيشة الأميركية واضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.


هناك آلاف القوات الأميركية في المنطقة ويُجهل المهمّة التي تنتظرهم؛ هناك حديث عن الرغبة في نشر قوات على الأرض، إما لفتح مضيق هرمز أو للسيطرة على كمية من اليورانيوم عالي التخصيب ببعض المواقع المدمرة داخل إيران، أو السيطرة على النفط من خلال احتلال جزيرة خارج،، إلى غير ذلك من التلميحات والتصريحات الكثيرة، التي تُبقي على غموض بشأن المخرج النهائي لترامب من الحرب. حرب سبق وأن قال إنها "نزهة"، لكن تبدو وكأنها كابوسا ستطول وبتكاليف باهضة لم يكن يتصورها.


التركيز الآن هو محاولة فتح مضيق هرمز. صحيفة "نيويورك تايمز" ذكرت في عددها ليوم الأحد أن عدد القوات الأميركية في الشرق الأوسط تجاوز حاليا 50 ألف جندي، بزيادة 10 آلاف جندي عن المعتاد. وتقول الصحيفة "بينما لا يزال من غير الواضح بالضبط ما ستكون مهمة مشاة البحرية من الوحدة الـ31 الاستكشافية، يقول المسؤولون الأميركيون إن الرئيس يدرس ما إذا كان سيحاول شن هجوم أكبر، مثل الاستيلاء على جزيرة أو أرض أخرى كجزء من جهود ترامب لفتح مضيق هرمز".


وتقول الصحيفة إن الخبراء العسكريين يحذرون من أنه حتى 50 ألف جندي، كثير منهم في البحر، يعد رقمًا صغيرًا لأي عملية برية كبرى، فإسرائيل استخدمت أكثر من 300 ألف جندي في حربها على غزة منذ أكتوبر 2023، بينما بلغ عدد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة التي غزت العراق في 2003 نحو 250 ألف جندي، وفق "نيويورك تايمز". 


لكن المغامرة بنشر ولو قوات عسكرية أميركية قليلة في المنطقة، لفتح مضيق هرمز على الأقل، قد يُعرّضهم لنيران الحرس الثوري، وهي مغامرة محفوفة المخاطر؛ فخسارة أرواح الجنود يعني إثارة غضب الأميركيين وتوسيع جبهة الرفض للحرب وتراجع أكبر لشعبية ترامب وحلفائه الجهوريين.


م. ب

اخبار اخرى