anep-logo-new

الخميس، 5 مارس 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

"مجلس السلام".. نظام دولي جديد تحت قدم ترامب

"مجلس السلام".. نظام دولي جديد تحت قدم ترامب

أخبار

2026-02-17

من واشنطن: محمود بلحيمر


تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقد أول اجتماع لـ"مجلس السلام" في 19 فبراير الجاري في واشنطن. الاجتماع يهدف جزئيًا إلى جمع التبرعات، وفق ما نقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أميركيين، الذين أضافوا أن تفاصيل الاجتماع لا تزال قيد الإعداد. 


الاجتماع سيعقد في معهد السلام الأميركي، الذي أعاد ترامب تسميته باسمه. وقبل الاجتماع أوضح ترامب أنه سيكشف عن حزمة مساعدات إنسانية وإعادة إعمار لغزة بقيمة مليارات الدولارات، إلى جانب التزام أمني دولي كبير. ودعا ترامب حركة حماس الفلسطينية للالتزام بتعهدها بالنزع الكامل والفوري للسلاح، وأضاف: "سيثبت مجلس السلام أنه أهم هيئة دولية في التاريخ، ويشرفني أن أتولى رئاسته".


فكرة "مجلس السلام" وردت أولا في خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، حيث جاء في بندها الثامن أن "قطاع غزة سيخضع لحكم انتقالي مؤقت من قبل لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية.. وذلك تحت إشراف هيئة انتقالية دولية جديدة تدعى"مجلس السلام"، يترأسها الرئيس دونالد ج. ترامب..". والخطة مدعّمة من مجلس الأمن الدولي بمقتضى القرار رقم 2803، الصادر في 17 نوفمبر الماضي. ثم قرر ترامب لاحقا توسيع صلاحيات المجلس لتشمل حل نزاعات أخرى في جميع أنحاء العالم، ووقع في دافوس بسويسرا في 22 يناير الماضي على الميثاق التأسيسي لـ"مجلس السلام" بحضور ممثلين عن نحو 20 دولة.


ترامب يريد تنصيب نفسه زعيما لناديه الخاص !

ومنذ الوهلة الأولى بدأت تناقضات "سلام ترامب" في الظهور؛ أولا، عندما نصّب نفسه الزعيم الأوحد لهذا الكيان وهو وحده الذي يملك حق الفيتو، ومنح لنفسه العضوية الرئاسية مدى الحياة، ويشترط على الدول دفع مليار دولار مقابل عضوية لمدة ثلاث سنوات، وكأن الأمر يتعلق بنادٍ خاص! وحتى قبل بداية عمل مجلس السلام أفصح ترامب عن الطبيعة الديكتاتورية التي سيدير بها مجلسه عندما سحب الدعوة الموجهة لكندا للانضمام إلى المجلس بسبب التوتر مع رئيس الوزراء مارك كارني، وكأن الأمر يتعلق بفصل من البرنامج التلفزيوني الشهير لترامب "ذي أبرنتيس" (The Apprentice) عندما كان يطرد من لا يعجبه من المشاركين على المباشر.


ثانيا، من الواضح أن المجلس لا يحظى بتأييد دولي يسمح له بكسب المصداقية ناهيك عن الشرعية؛ فلقد انضمت دول مثل الإمارات والسعودية ومصر وقطر والبحرين وباكستان وتركيا والمغرب، وغالبية هذه الدول لها حساباتها، منها من يخشى غضب ترامب ومنها من يتودد لكسب تزكيته، بينما رفض عدد من الدول الأوروبية عضوية المجلس ومنها فرنسا، التي قالت إن الميثاق بصيغته الحالية "غير متوافق" مع التزاماتها الدولية، ولا سيما عضويتها في الأمم المتحدة. وأبدى الاتحاد الأوروبي "شكوكاً جدية" بشأن نطاق المجلس وآليات حوكمته وتوافقه مع ميثاق الأمم المتحدة. ولا يرى الأوروبيون إنهم سيجلسون جنبا إلى جنب مع بوتين وهو منخرط في حرب بأوكرانيا.


مهمة المجلس وفقًا لميثاق تتمثل في السعي إلى "تعزيز الاستقرار، واستعادة حوكمة موثوقة وقانونية، وتأمين سلام دائم في المناطق المتضررة من النزاع أو المهددة به"، وكذلك "الاضطلاع بمهام بناء السلام بما يتوافق مع القانون الدولي". وتؤكد الديباجة على الحاجة إلى ما تصفه بـ"هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام". السؤال المطروح لماذا لا يتم ذلك في إطار الأمم المتحدة، الهيئة الدولية التي وجدت منذ نهاية الحرب العالمية لهذا الغرض، ولها آليات عمل واضحة ومتوافق عليها دوليا؟ّ!


إقصاد الأمم المتحدة وبيع سلام وهمي للفلسطينيين

من الواضح أننا أمام سطو على مهمّة الأمم المتحدة، مع تهميشها بالكامل وتحويل صلاحياتها الدولية بمقتضى القانون الدولي إلى هيئة جديدة هي عبارة عن نادي خاص لترامب! وواضح أن إدارة ترامب، سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة، تريد إقصاء الأمم المتحدة، مثلما تأمل في تفادي مشاهد الإحراج في الجلسات الرسمية لاسيما العلنية، سواء في الجمعية العامة أو في مجلس الأمن الدولي، حيث تبدو واشنطن الوحيدة التي تدعم سياسات وأفعال إسرائيل المنافية للقانون الدولي في غزة وفلسطين عموما. فنحن أمام نقل النقاش عن القضية الفلسطينية من المحفل الدولي الطبيعي والقانوني المُلزم إلى "مجلس سلام ترامب"، الذي يبدو في هيئة نادٍ خاص يخضع لإرادة ترامب، علما أن الرئيس الأميركي لم يبد أيّ اعتراض على سياسات وأفعال حكومة نتنياهو، المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب إبادة جماعية في غزة.


والصورة هكذا يبدو "مجلس السلام" أيضا كهيئة لبيع سلامٍ وهمي للفلسطينيين وللعالم وكتغطية عن جريمة الإبادة في غزة بعدما صارت كارثة علاقات عامة لإسرائيل وأميركا.. في وقت تواصل إسرائيل خروقاتها لوقف إطلاق النار، وأكثر من ذلك، تعمل على ترسيم وقائع جديدة على الأرض تبعا لسنتين من القصف والقتل والتدمير الممنهج، بينما يجري الحديث داخل حكومة نتنياهو اليمينية عن العودة للاستيطان مجددا في غزة. وما يثير التساؤل حول نوايا واشنطن عرضُ جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره، لمشروع "غزة الجديدة" أمام منتدى دافوس بسويسرا الشهر الماضي، الذي يتضمن منتجعات فاخرة بناطحات سحاب على شاطئ البحر، دون توضيح من سيملك تلك البنايات؟ وأين الفلسطينيين في غزة من ذلك؟ العرض يعيد إلى الأذهان مشروع تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن لإقامة ريفيرا الشرق الأوسط لترامب والذي صرّح قبل عام أنه سيمتلك غزة!


وأكثر من ذلك أن المعني الأول بالسلام وهم الفلسطينيون غير ممثلين في "مجلس السلام" وهذا تناقض صارخ؛ فلقد أقصت واشنطن السلطة الفلسطينية الهشة في رام الله من أي دور في ترتيبات السلام، علما أن نتنياهو عمل على إضعاف سلطة محمود عباس لقبر أيّ أمل في قيام دولة فلسطينية، كما هي التصريحات المسؤولين الإسرائيليين. وزيادة على ذلك، فإن الشخصيات التي تم الإعلان عنها ضمن المجلس التنفيذي التأسيسي، والتي قال البيت الأبيض إنهم "يتمتعون بخبرات واسعة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والإستراتيجية الاقتصادية، هذه الشخصيات منحازة بشدة لإسرائيل وناكرة لحقوق الفلسطينيين. ونذكر منهم وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي أدخل بلاده في حرب مدمرة على العراق في 2003، والملياردير الأميركي مارك روان.


ترامب بصدد تأميم النظام الدولي

توسيع نطاق عمل "مجلس السلام" مسألة مثيرة للاهتمام أيضا. فهذا يعني أن هناك طموحا لدى واشنطن لجعله يحل محل الأمم المتحدة، أي باختصار تفكيك النظام الدولي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية، وساهم -رغم قصوره- في الحفاظ على استقرار دولي نسبي وعلى شرعية قانونية دولية معيارية لحل النزاعات وساهم في حلول لنزاعات عبر الوساطة والتفاوض إلخ،،، ويتّم الآن فرض نظام جديد يرسّم الهيمنة الأميركية في ظل نزعة أحادية لترامب على الصعيد الدولي وتجاهله لمبدأ العمل في إطار أممي أو حتى ضمن تعدد الأطراف أو الحلف الغربي التقليدي لواشنطن. و وفق تصور مجلس السلام سيكون النظام الدولي تحت إدارة ترامب، أول لنقل أن ترامب بصدد تأميم النظام الدولي!  


جاء في مقال لصحيفة "نيويورك تايمز" نشر يوم 21 يناير بعنوان: " مجلس السلام لترامب سيكون ذا نطاق عالمي، لكن بقيادة رجلٍ واحد"، أن مجلس السلام "يبدو بمهمته الواسعة ومع تولّي ترامب رئاسته على المدى الطويل أنه يمثل محاولة لبناء مؤسسة تُقنّنُ الهيمنة الأميركية التي يتصورها الرئيس". وتضيف الصحيفة أن "الكثير من المسؤولين والخبراء في الشؤون الدولية صُدموا بسعة نطاق هذه المبادرة، التي تُعدّ أحدث مثال على قيام ترامب بتفكيك النظام الدولي الذي شيدته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وبناء نظام جديد يضع نفسه في مركزه."


في هذه الأثناء، الكثير يحدث على الأرض في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي غزة اتضح جليا أن وقف إطلاق النار ما هو إلا وهم للتغطية على استمرار حرب الإبادة بحق الفلسطينيين وهذا بشهادة الأميركيين أنفسهم. السيناتور الديمقراطي البارز في مجلس الشيوخ الأميركي، كريس مورفي، كتب يوم الأحد على منصة "إكس" مايلي: "في قمة ميونيخ للأمن نهاية هذا الأسبوع قلت الحقيقة المرة؛ ليس هناك وقف لإطلاق النار في غزة. الاعتداء يتواصل والفلسطينيون يموتون. وترامب يُصدرمنشورات دعائية برّاقة حول صفقات عقارية وهمية في غزة بدلاً من العمل على إنهاء الحرب".


ونقل موقع "دروب سيت" الأميركي الإثنين أنه منذ دخول ما يسمى بوقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، تم تسجيل نحو 1620 انتهاكًا إسرائيليًا، وفقًا لأحدث الأرقام الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. وتشمل هذه الانتهاكات مئات حوادث إطلاق النار، وقصفًا متكررًا وضربات جوية، وتوغلات في أحياء سكنية، وهدم منازل ومبانٍ. وقد أسفرت هذه الانتهاكات عن مقتل ما لا يقل عن 603 من الفلسطينيين وإصابة أكثر من 1600آخرين.


وفي الضفة الغربية تمضي إسرائيل نحو السيطرة الفعلية على أراضيها من خلال سلسلة من القرارات الإسرائيلية تمكنها من تسجيل مساحات شاسعة من الأراضي كـ"أملاك دولة" تابعه لها وهذا لأول مرة منذ 1967. ماهو موقف واشنطن والدول الغربية: اعتراض شفهي شكلي لا يلتف إليه نتنياهو، وهو في الواقع ضوء أخضر للمواصلة كما جرت العادة منذ عقود. وفي نفس الوقت، تبدو واشنطن وكأنها لا تسمع ولا ترى أعمال العنف الممنهجة التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون في مناطق مختلفة من الضفة الغربية المحتلة والتي تكثفت خلال العامين الماضيين بهدف ترهيب المدنيين الفلسطينيين وحملهم على ترك أراضيهم بالقوة.


وهذا ما يدفعنا لطرح السؤال: ما هي الغاية من اجتماعات "مجلس السلام" إن لم تكن التغطية على حرب إبادة وتطهير عرقي واقعيْن بالفعل؟!  


م. ب

اخبار اخرى