anep-logo-new

الاثنين، 22 جوان 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

حكايا "الملح والماء" للكاتبة أمال منذر.. قصص حالمة بطعم الملح والفرح

حكايا "الملح والماء" للكاتبة أمال منذر.. قصص حالمة بطعم الملح والفرح

حلم العودة يراودنا، العودة إلى مرحلة الصبا والتشكل، إلى أحلى ما عشناه في طفولتنا ومراهقتنا ووطننا وأرضنا، إنها ذكريات البيئة التي تربينا فيها بحلوها ومرها بملحها ومائها بفرحها وخوفها كل ما ينتابنا في هذه الحياة يكون بطعم خاص، بطعم الملح والماء عندما نكون حيث ما ترعرعنا..كل شيء يكون كالحلم عندما نبتعد عنه وليتنا نعود..لكن كيف؟.. حكايا الملح والماء حنين وذكرى والكثير مما عاشته القاصة أو ما عشناه نحن..!.. وما التقط وبقي عالقا في الذكرى والوجدان.

يجذبك عنوان المجموعة القصصية الموسوم بـ "حكايا الملح والماء" للكاتبة السورية أمل منذر الصادر عن دار أمل للنشر والتوزيع، ومن الصفحات الأولى يأسرك الأسلوب الرشيق والعبارات المضيئة بجمل قصيرة نابضة بالحياة، وضم هذا الإصدار الجديد 24 قصة ممتعة في سردها ومثيرة في الكثير من الأحيان في طرحها. ومن حيث الشكل، وردت القصص أحيانا في صفحتين ويمتد بعضها إلى ثلاث صفحات أو أكثر بقليل، والمجموعة القصصية صدرت في حلقة أنيقة وجذابة، علما أنها من الحجم المتوسط، وبخصوص المضمون، تحلق بالقارئ في عوالم جمالية مثيرة، لتحكي الذكريات والقصص وكأننا نعيشها اليوم، قصص بطعم الملح والألفة، والملح يبدو أحيانا كأنه هو الذكريات و"الملح" كما تقول القاصة في سردها "معقم"، وفي عبارة بلسان أبطال القصص: "فن التعقيم بالملح والنار..فن التخدير بالألم".

تثري المجموعة القصصية "حكايا الملح والماء" للكاتبة السورية آمال منذر المكتبة العربية، وتضعها في متناول القراء الشغوفين بقراءة القصة، بوصفها عملا سرديا مشبعا بالرمز والدلالة، حيث تتقاطع الحكاية الفردية مع الوجع الجمعي، وتتحول التفاصيل اليومية إلى مرايا عاكسة للإنسان في لحظات ضعفه وقوته، انكساره وأمله. و منذ العنوان، تضعنا الكاتبة السورية أمال منذر، أمام ثنائية غنية بالدلالات. فالملح، بما يحمله من معنى الألم والحفظ معا، يقابل الماء، رمز الحياة والتطهير والانسياب. وبين هذين العنصرين، تنسج آمال منذر حكاياتها، وكأنها تقول إن الإنسان لا يعيش سعيدا أو موجوعا فقط، بل مزيجا من الاثنين، في معادلة وجودية لا تنفصل فيها المعاناة عن النجاة.

الكاتبة السورية أمل منذر

العنوان ليس مجرد عتبة جمالية، بل مفتاح تأويلي للنصوص، يهيئ القارئ لولوج عالم تتداخل فيه القسوة مع الرقة، والخذلان مع الأمل. وتعتمد القاصة في المجموعة القصصية على شخصيات تبدو للوهلة الأولى عادية: نساء، رجال، أطفال، أمهات، عابرون في الحياة. غير أن الكاتبة تمنحهم عمقا إنسانيا لافتا، فتغوص في دواخلهم، وتكشف هشاشتهم بصمت، دون خطاب مباشر أو افتعال درامي. ولأن آمال منذر تكتب في حكاياها عن الإنسان المهمّش، عن المرأة عن الحب عن الفقد عن الانكسار، عن الذات التي تبحث عن معنى في عالم مضطرب، فتنجح في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مواقف كاشفة، حيث يصبح الصمت لغة، والنظرة حكاية، والانتظار فعلا سرديا بامتياز.

وتتميز لغة المجموعة القصصية بالعمق، فهي لغة لا تتكئ على الزخرفة، بل على التكثيف والدقة والإبهار في بعض القصص " عندما تشبه عيون الجد .. خضراء مثل حبات الزيتون" وقصة "ليلة بطعم الملح" جاءت مبهرة من بدايتها إلى نهايتها كاستعارة السكين أو الأسنان للطبيب إذ تطلب الأمر لفتح البطن بدل المشرط، و الجمل قصيرة في أغلب الأحيان، لكنها محمّلة بالإيحاء، وتمنح القارئ مساحة للتأمل والمشاركة في بناء المعنى. والسرد هادئ، متزن، يبتعد عن الصراخ، ويعتمد على الإيحاء بدل التصريح، وهو ما يمنح النصوص قوة داخلية، تجعل أثرها يتراكم تدريجيا في وعي القارئ.

وتحضر المرأة في "حكايا الملح والماء" بوصفها كائنا إنسانيا مرهفا وفي نفس الوقت قويا وصامدا والكاتبة لا تسقط في المباشرة، بل تترك الشخصيات تتكلم بوجعها اليومي، بصمتها، وبمحاولاتها المستمرة للنجاة أو البحث عن السعادة. ويمكن القول أن قصص الكاتبة حالمة بطعم الملح والفرح.


جميلة بلقاسم



اخبار اخرى