anep-logo-new

السبت، 7 مارس 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

من هنا تبدأ "الحرب الذكية"

من هنا تبدأ "الحرب الذكية"

أخبار

2026-03-06


(رأي في الأحداث)

بقلم مراد شبين

ليس هناك أسهل من كتابة خطابات منددة، وإعلان مواقف رجولية يباركها متابعوك.
ليس أسهل من القصف اللغوي، والمقاومة النثرية، والصمود البلاغي المثير للإعجاب.
ولكن هل نستوعب للحظةٍ أن الكلمة مسؤولية، وأن الخبر أمانة، و أن الموقف خيارٌ بتداعيات؟ هل ندافع عن قضية لتقوية شوكتها أم لتلميع صورتنا بين الناس؟ وهل يستحق ما يحدث في الشرق الأوسط أن نحلل تفاصيله ونمحّصها ونتأكد من صدقيتها ونستشرف مآلاتها، أم أن نندفع إلى ساحة المزايدات اللفظية ببراءة الحالمين وحماس الطامحين؟.
الواقعية السياسية والقراءة المتأنية للمعطيات تفرض علينا استيعاب حقيقة قائمة: المقاومةُ ليست في أن نشهر سيوف كلماتنا، ولكن في أن نجتهد ونجدّ ونتعب يوما بعد يوم لتقوية عضلاتنا حتى نكون قادرين على المنافسة، لا أن نرمي بالملايين إلى التهلكة باسم الدفاع عن الحق، لأننا بذلك نكون قد منحنا فرصة للباطل.
آباؤنا لم يقاوموا الاستعمار من فراغ، تطلّبَ منهم الأمر عقودا طويلة من المواجهة بأساليب تطابقُ قدراتهم، أعدّوا أولادهم جيلا بعد جيل، إلى أن أصبحت القناعة عامة، والظروف الداخلية والدولية مواتية، والخطط واضحة، ثم تحركوا بشجاعة، ولكن بواقعية، وضحوا بأنفسهم ولكن بثقة النصر، لأنهم كانوا يدافعون عن أرضهم، داخل حدود أرضهم، وبهدف تحرير أرضهم وفقط.
لم يصدروا ثورتهم إلى الجيران، ولم يطمحوا في فرض نموذجهم على الكوكب، ولم يورطوا غيرهم في قضيتهم، ولم يؤدلجوا نضالهم، ولم يستعطفوا أحدا لحمايتهم. فلا مجال للمقارنة بين زمان وآخر، وسياق دولي وآخر وثورة وأخرى.
وهذا كله يعني أن الواقعية ليست قبولاً بالظلم، بل هي احترامٌ لقداسة الدم، وبحثٌ عن أقل الطرق كلفة وأضمنها قدرة على استرداد الحق المنهوب.
عندما خرجت ألمانيا واليابان منهكتين مدمرتين من الحرب العالمية لم تنتحرا ولم تقاوما حتى آخر رمق، وقد سلبت سيادتهما العسكرية، بل انطلقتا في النهوض والبناء، إلى أن أصبحت الأولى اعظم قوة أوروبية والثانية قوة آسيوية ضاربة، في أقل من نصف قرن.
إن المقاومة الحقيقية هي صراع إرادات؛ فالعالم لا يحترم البكاء على الأطلال، بل ينحني لمن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا والاقتصاد. التفوق العلمي هو الرصاصة التي لا تخطئ هدفها في العصر الحديث.
ولهذا فإن الدرس مما يشهده الشرق الأوسط، لمن يريد أن يتعلّم، هو أن الثورجية الرقمية والأغاني النضالية وفلكلور المزايدة والمناقصة سلعة بائرة، يجب أن يفوضنا أطفالنا قبل أن نشتريها. ومن أراد الحفاظ على قيمه ومبادئه، عليه أن يتمتع قبل الشجاعة، بالذكاء وبعدِ النظر.

اخبار اخرى

من هنا تبدأ "الحرب الذكية" | الحراك الإخباري