anep-logo-new

الثلاثاء، 25 أوت 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

الدين الوطني الأميركي تجاوز 40 تريليون دولار من سيدفع فاتورة عقود من الحروب والإنفاق بلا حدود؟

الدين الوطني الأميركي تجاوز 40 تريليون دولار  من سيدفع فاتورة عقود من الحروب والإنفاق بلا حدود؟


من واشنطن: محمود بلحيمر


الدين الوطني الأميركي تخطى عتبة 40 تريليون دولار خلال شهر أغسطس الجاري. رقمٌ مخيفٌ ومثيرٌ للقلق لاسيما وأن الدين يتراكم بوتيرة سريعة بحيث يزيد بنحو 7.8 مليار دولار يوميا، ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه ليتجاوز 60 تريليون دولار بحلول عام 2036.

هذا المنحى كان متوقعا بالنظر إلى أن الحكومات الأميركية المتعاقبة واصلت وتيرة إنفاق تفوق بكثير ما تحصِّله من إيراداتها. كما أن السياسيين في واشنطن، ورغم حديثهم في الحملات الانتخابية عن ترشيد الإنفاق الحكومي، واصلوا تجاهل عجز الموازنة وأغرقوا الحكومة الفدرالية بمزيد من الديون حفاظا على أجندتهم السياسية والانتخابية. علما أن نسبة كبيرة من هذه الديون تعود لحكومات أجنبية منها الصين واليابان وبريطانيا ودول أخرى.

واشنطن تدفع تريليون دولار سنويا لخدمة الدين !

حاليا، تدفع الحكومة الفدرالية ما يقرب من تريليون دولار سنويا لمجرد خدمة الدين، وهو رقم تضاعف تقريبًا ثلاث مرات خلال خمس سنوات، وتجاوز ما تنفقه الحكومة على برنامج التأمين الصحي الخاص بمن يتجاوزون الـ65 وذوي الإعاقات (Medicare)، أو ميزانية وزارة الدفاع الضخمة. وتتوقع لجنة الميزانية الفيدرالية أن تتجاوز مدفوعات الفوائد على الدين 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2032. وهكذا باتت الحكومة الأميركية تقترض، وبوتيرة متسارعة، أموالًا لدفع فوائد على أموال سبق وأن اقترضتها ! ويثير هذا الوضع قلق السياسيين والاقتصاديين على حد سواء من قدرة الحكومة على تسديد فواتيرها ومن التداعيات الخطيرة على الاقتصاد الأميركي ككل.

كيف وصلت واشنطن إلى هنا؟ ينبغي التذكير بأن الحكومة الأميركية نجحت في خفض عجز الموازنة إلى الصفر في ظل إدارة الرئيس الديمقراطي السابق، بل كلينتون، الذي نجح في تحقيق فائض بنحو 236 مليار دولار في عام 2000. ومع وصول الرئيس الجمهوري جورج بوش الإبن مطلع الألفية الجديدة بدأت الاختلالات في الموازنة بالظهور. لجأت الحكومة إلى الاقتراض بمستويات كبيرة مع حربي أفغانستان والعراق اللتان كلفتا الولايات المتحدة نحو 4.5 تريليون دولار، بينما تشير تقديرات إلى أن كلفة الحرب العالمية على الإرهاب التي انطلقت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 بلغت نحو 8 تريليون دولار.

وفي 2008 شهدت الولايات المتحدة أزمة اقتصادية غير مسبوقة بحيث انهارت مؤسسات مالية كبرى مثل ليمان برودرز (Lehman Brothers)، واضطرت الحكومة لإعداد خطة لانقاذ الاقتصاد، كانت مكلفة للغاية بحيث خصصت لها 700 مليار دولار، غير أن ما عمّق أزمة العجز هو الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والتراجع الكبير في الإيرادات الضريبية، وبدأت المديونية تخرج عن السيطرة. ففي عام 2017، أي عندما بدأ ترامب ولايته الأولى كانت المديونية الفيدرالية في حدود 19.95 تريليون دولار.

وخلال عام 2019 اضطرت الحكومة مجددا لتبني سياسة انفاق سخية بهدف مواجهة تداعيات وباء كورونا التي شلت الاقتصاد ومختلف الانشطة الحيوية. حينها تجاوز الدين الحكومي عتبة 30 تريليون دولار، لكن حكومتي بايدن وترامب واصلتا الإنفاق لاسيما في الجوانب المتعلقة بالدفاع والمساعدات الخارجية، ناهيك عن ارتفاع كلفة السياسات الاجتماعية كالرعاية الصحية ومعاشات المتقاعدين، مع شيخوخة متزايدة للسكان، ما أدى إلى تأجيل البحث عن سياسة لمعالجة أزمة المديونية.

عجز الموازنة الأميركية بلغ 1.8 تريليون دولار

ولتوضيح الصورة نعطي أرقام السنة المالية لعام 2025. بلغت موازنة الحكومة الفيدرالية نحو 7 تريلون دولار، مع تسجيل عجز في الموازنة بنحو 1.8 تريليون دولار. يعني أن الحكومة انفقت قرابة 2 تريليون دولار من أموال لا تملكها بل اقترضتها. وقد احتلت البرامجُ الاجتماعية (أهمها معاشات المتقاعدين وبرامج الرعاية الصحية لدوي الدخل الضعيف ولفئة المتقاعدين والمعاقين..) احتلت المركز الأول بحيث تمثل 60 %، أي نحو 4.2 تريليون دولار. بينما إلتهم الانفاق الدفاعي، والتقديري، أي تمويل برامج يقرّها الكونغرس في قطاعات الدفاع والتعليم والبنية التحتية، نحو 27 % من الموازنة، أي ما يمثل 1.9 تريليون دولار. وبلغت خدمة الدين العام الماضي قرابة تريليون دولار (970 مليار).

وكما يبدو، من الصعب تقليص عجز الموازنة البالغ 1.8 تريليون دولار خلال أعوام قليلة. لكن إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب عقّدت أزمة المديونية من خلال التخفيضات الضريبية التي أقرتها للأثرياء في قانون الموازنة الشامل، والذي تضمن أيضا زيادة تمويل برامج مكافحة الهجرة وأمن الحدود. يضاف إلى هذا أن ترامب أغرق أميركا مجددا في حرب مكلفة للغاية مع إيران بحيث تفيد تقديرات أن كلفتها لحد الآن تتراوح ما بين 80 و 100 مليار دولار.

وكان ترامب قد استهلّ ولايته الثانية بالحديث عن جعل خفض العجز في الموازنة ضمن أولوياته، لاسيما من خلال خفض عدد الموظفين الحكوميين ومحاربة التبذير والفساد، وهي المهمة التي اسندت للتريليونيير الأول في العالم، إيلون ماسك، الذي ترأس ما سُمي بوزارة الكفاء الحكومية (DOGE). غير أن إيلون ماسك، وبعد شهور قليلة قضاها في البيت الأبيض تخلّص من نحو 300 ألف موظف حكومي ومن عدد من البرامج الفدرالية، بعضها موجه للخارج، لكن عمل ماسك كان جعجعة من دون طحين، كما يقال، فإعلانه حينذاك عن توفير عشرات المليارات من الدولار لا يمثل شيئا يذكر أمام العجز السنوي الذي بلغ 1.8 تريليون.

السيناتور ساندرز: الحل في فرض ضرائب على الأثرياء

حل أزمة الدين الحكومي تمر عبر زيادة إيرادات الحكومة من الضرائب وهذا يعني رفع الضرائب لاسيما على الأثرياء، وهذا ما يرفضه الجمهوريون، أو أن يتم خفض الإنفاق على البرامج الاجتماعية، وهذا يرفضه الديمقراطيون. وهنا بقي النقاش رهن حلقة مفرغة.

فمثلا السيناتور الديمقراطي البارز عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز، طرح هذا العام، برفقة النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا رو خانا، مشروع قانون لفرض ضريبة على المليارديرات، وقالا إن عددهم في البلاد لا يتجاوز 938 مليارديرًا، تبلغ قيمة ثرواتهم الصافية مجتمعة8.2 تريليون دولار. ويقترح مشروع القانون فرض ضريبة سنوية على الثروة تقدر بـ 5% على كل من تبلغ ثروته الصافية مليار دولار أو أكثر. ويقول ساندرز إن مشروع القانون سيحقق 4.4 تريليون دولار خلال عقده الأول. وقال ساندرز في بيان "في وقت تشهد فيه البلاد مستويات غير مسبوقة من عدم المساواة في الدخل والثروة، يطالب هذا التشريع طبقة المليارديرات في أميركا أخيرا بدفع حصتهم العادلة من الضرائب، حتى نتمكن من بناء اقتصاد يعمل لصالحنا جميعًا، وليس لصالح الواحد في المئة فقط".

وعلى نقيض ساندرز، يعارض إيلون ماسك فرض ضرائب على الأثرياء مثله، رغم أنه من المستفيذين الأوائل من الدعم الحكومي من خلال عقود ومشاريع ضخمة تمنحها له الحكومة الفدرالية. وقال ماسك في منشور نشره على منصة "إكس" قبل عامين: "حتى لو فرضت ضريبة بنسبة 100% على كل ملياردير في أميركا، فلن يُحدِث ذلك تأثيرًا يُذكر على الدين الوطني. وفي نهاية المطاف، ستُجبر الحكومة على فرض ضرائب على الجميع لسداد الدين".

من سيدفع الفاتورة؟

هل يعني هذا أن أميركا مقبلة على إفلاس وشيك؟ يُطمئن معظم المحللين بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادرا على إيجاد مخرج من أزمة المديونية كونه الاقتصاد الأول في العالم بنحو 32 تريليون دولار، تمثل إجمالي الناتج المحلي، إلى جانب استمرار الدولار عملة رئيسية في النظام المالي العالمي.

الدين الحكومي سيجد طريقه إلى جيوب الأميركيين وسيتحملون تكاليفه اليوم ولأجيال ستأتي، بحيث يتوقع الخبراء أن تواجه الأسر الأميركية على الأرجح معدلات فائدة أعلى على الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، وسترتفع الأسعار بسبب زيادة تكاليف الاقتراض على الشركات، بما يعني ارتفاع معدلات التضخم. وهذا الوضع قد ينجر عنه ركود اقتصادي.

فمعالجة أزمة المديونية خلال الأعوام وربما العقود المقبلة تتطلب خيارات صعبة ستتحملها الأسر الأميركية؛ منها رفع نسبة الضرائب أو تقليص البرامج الاجتماعية كالرعاية الصحية ومعاشات المتقاعدين ودعم برامج التعليم،، أو تقليص نفقات قطاعات حساسة مثل الدفاع، وهو خيار صعب بالنظر لأن واشنطن تهاب من خسارة المنافسة المصيرية مع الخصوم كروسيا والصين، ولكون المستفيذين من العقود بمليارات الدولارات مع البنتاغون يعارضون خفض الإنفاق الدفاعي، ولأن واشنطن غارقة في حرب طويلة الأمد مع إيران، على ما يبدو، كل ذلك يجعل مسألة الدين الوطني قنبلة موقوتة قد تتسبب في أزمة اقتصادية جديدة بتداعيات عالمية غير مسبوقة.

م. ب

اخبار اخرى